من تحفظ طرابلس إلى تناقضات الجوار.. كيف تحوّل الإصرار الجزائري على التدخل في الملفات المغاربية إلى عامل تقويض لحلم الاتحاد المغاربي

 من تحفظ طرابلس إلى تناقضات الجوار.. كيف تحوّل الإصرار الجزائري على التدخل في الملفات المغاربية إلى عامل تقويض لحلم الاتحاد المغاربي
الصحيفة - إسماعيل بويعقوبي
الأثنين 26 يناير 2026 - 17:00

أضحى الإصرار الجزائري على التدخل في الملفات المغاربية، عبر مسارات سياسية وأمنية متكررة، عاملا بنيويا في تقويض حلم بناء اتحاد مغاربي حقيقي، وهو الحلم الذي تأسس نهاية ثمانينيات القرن الماضي على منطق التكامل وتجاوز مناخ الصراعات وفتح الحدود أمام تنقل الأشخاص والسلع وتوحيد الرؤى حول القضايا المصيرية، ليجد نفسه مع مرور السنوات رهينة حسابات ضيقة وتدخلات متجاوزة لحدود السيادة الوطنية، أفرغته من مضمونه وحوّلته إلى إطار مؤسساتي معطّل.

آخر ملامح ذلك، رسمها تحفظ حكومة الوحدة الوطنية الليبية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، المعترف بها دوليا، على عقد أي اجتماعات أو مشاورات تتعلق بالشأن الليبي دون مشاركتها المباشرة، وذلك على خلفية الاجتماع التشاوري الثلاثي المنعقد في تونس، بمشاركة تونس ومصر والجزائر، وبحضور الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، حيث إن هذا التحفظ، الذي عبّرت عنه طرابلس بلغة دبلوماسية واضحة، لا يمكن عزله عن حساسية المرحلة في ليبيا، ولا عن الإشكالات العميقة المرتبطة بتدخل أطراف إقليمية في مسار يفترض أن يكون ليبيا خالصا.

فالاجتماع، وإن قُدّم رسميا في إطار دعم الحوار الليبي - الليبي، أعاد إلى الواجهة إشكالية جوهرية تتعلق بالهدف الحقيقي للجزائر، التي سبق لرئيسها عبد المجيد تبون أن شدد في أكثر من مناسبة على التزام بلاده بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، الأمر الذي يعاكس الخطاب المعلن، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام الممارسة السياسية الجزائرية مع تصريحاتها الرسمية.

تحفظ طرابلس لا يُقرأ بوصفه موقفا إجرائيا عابرا، بل كرسالة سياسية تؤكد أن أي ترتيبات أو تصورات تتعلق بمستقبل ليبيا يجب أن تمر عبر مؤسساتها الشرعية، لا أن تُدار من خارجها مهما كانت الذرائع أو الأغطية الأممية، وهو موقف يكتسب وجاهته بالنظر إلى تعقيدات المشهد الليبي منذ 2011، حيث أدى الدور الجزائري على الخصوص إلى تعميق الانقسام بدل الدفع نحو تسوية مستدامة.

ويعيد هذا السلوك إلى الواجهة نمطا متكررا في المقاربة الجزائرية للملفات المغاربية، قوامه الانخراط المباشر أو غير المباشر في قضايا داخلية لدول الجوار، بما يفضي في كثير من الأحيان إلى إرباك المسارات السياسية الوطنية، وإضعاف فرص بناء ثقة متبادلة تُعد شرطا أساسياً لأي مشروع وحدوي، فمنذ انطلاق مسار اتحاد المغرب العربي، ظل دعم النظام الجزائري لجبهة "البوليساريو" يشكّل العقدة المركزية التي عطّلت الانتقال من الطموح الوحدوي إلى الفعل السياسي والاقتصادي الملموس.

ولم يقتصر هذا التعطيل على الخلاف مع المغرب حول ملف الصحراء، بل تجاوزه إلى محاولات متكررة لإقحام زعيم جبهة البوليساريو في لقاءات واجتماعات إلى جانب قادة دول مغاربية، في رسائل سياسية تحمل دلالات تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى السعي لإعادة تعريف معادلات التمثيل داخل الفضاء المغاربي، وهي ممارسات تسهم في تكريس مناخ الانقسام.

الجدل الذي أثاره ظهور زعيم "البوليساريو" إلى جانب قادة دول مغاربية في الجزائر، على هامش مناسبات رسمية، لم يكن حدثا معزولا، بل حلقة إضافية في مسار يسعى إلى تطبيع حضور كيان غير معترف به أمميا داخل مشهد يفترض أنه محكوم بعضوية دول ذات سيادة، وهو المسار الذي لا يخدم استقرار المنطقة بقدر ما يعمّق حالة الشلل التي أصابت الاتحاد المغاربي منذ عقود.

فمنذ تأسيسه في مراكش سنة 1989، لم يعقد قادة دوله أي قمّة منذ 1994، في مؤشر واضح على أن الخلافات السياسية، وفي مقدمتها ملف الصحراء، كانت أقوى من الإرادة الوحدوية المعلنة. ومع مرور الزمن، تحوّل الاتحاد إلى هيكل بلا فاعلية، في وقت كانت فيه التكتلات الإقليمية الأخرى تعزز مكانتها وتراكم مكاسبها الاقتصادية والسياسية.

ويشار في هذا السياق أيضا إلى أن المغرب اضطلع خلال السنوات الأخيرة بدور محوري في احتضان المسار الليبي - الليبي، حيث استضاف عددا من الاجتماعات الحاسمة بين الفرقاء الليبيين في الرباط والصخيرات وبوزنيقة وطنجة، وقد تمخضت هذه اللقاءات عن توافق كامل حول القواعد الدستورية وآليات انتخاب رئيس الدولة وأعضاء البرلمان، في خطوة وُصفت حينها بأنها اختراق نوعي في مسار الأزمة الليبية.

وتتجلى أهمية الدور المغربي في هذه الوساطة في حفاظ المملكة، بشكل معلن، على مسافة واحدة من مختلف الأطراف الليبية، سواء حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في طرابلس، والمعترف بها دوليا، أو السلطات المتمركزة في شرق البلاد بقيادة خليفة حفتر، وهو ما يميّز المقاربة المغربية عن مواقف أطراف أخرى، بينها الجزائر.

غير أن هذا الدور المركزي والمتوازن الذي يلعبه المغرب في الملف الليبي لم يخلُ من تداعيات إقليمية، إذ تشير قراءات متعددة إلى أنه أثار امتعاض النظام الجزائري، الذي أدّت توتراته المزمنة سابقا على الحدود الجزائرية - الليبية مع قوات خليفة حفتر إلى تقويض مصداقيته كوسيط محتمل، وحرمانه عمليا من لعب أي دور مؤثر في الأزمة الليبية، وفي هذا الإطار، تُفهم المناورات الجزائرية الأخيرة الرامية إلى تشكيل تكتلات مغاربية مصغّرة، تضم تونس وأطرافا ليبية، باعتبارها محاولة لحجب الدور المغربي وإقصائه، وفرض الجزائر كفاعل مركزي في الملف الليبي عبر أطر وُلدت خارج منطق الإجماع المغاربي التقليدي.

كُلفة النجاح!

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة تُلعب داخل المستطيل الأخضر وتنتهي مبارياتها بصافرة الحكم. كرة القدم، اليوم، هي جزء من اقتصاد يُدرّ ملايير الدولارات في العديد من الدول، ومنظومة معقدة ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...